اسماعيل بن محمد القونوي

380

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( فأمرهم اللّه تعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله ) الفاء فصيحة واجتهد موسى عليه السّلام في أن يعرف القاتل ولم يظهر وتضرع إلى ربه أن يبينه فأمرهم اللّه تعالى الخ ولم يخبر أولا بأن قاتله فلان لحكمة ظهرت فيما سيجيء إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( أي مكان هزؤا وأهل هزؤا ومهزوءا بنا أو هزؤا نفسه لفرط الاستهزاء ) لفظ اتخذ يتعدى إلى مفعولين إذا كان بمعنى الجعل والتصيير هما في الأصل مبتدأ وخبر فلما وقع ههنا المصدر خبرا عن الجماعة والذوات « 1 » احتيج إلى التأويل إما بتقدير المضاف وإليه إشار بقوله أي مكان هزؤا وإما بجعل المصدر بمعنى المفعول وإليه أشار بقوله مهزوءا بنا قوله بنا نائب فاعل لمهزو لأن الهزء لازم « 2 » ثم أشار إلى أنه يجوز إبقاؤه على حاله مبالغة في الوصف بالهزء كأنهم تجسموا بالهزء وهذا هو الراجح حتى جعل عبد القاهر تأويل إقبال وادبار في قوله الخنساء وإنما هي إقبال وإدبار مرذولا لأنه جعل البيت كالمغسول والمطروح في الأرض فمراد المص أنه لو لم يقصد المبالغة لكان حق العبارة إما مكان هزؤا أو مهزوءا بنا فجعل الذات نفس المعنى أبلغ نحو رجل عدل ويرجع مكان هزء إلى المبالغة فيه بطريق الكناية قوله ( استبعادا لما قاله واستخفافا به ) تعليل لقالوا وإشارة إلى أن الاستفهام للاستبعاد وهو يستلزم الاستخفاف والمعنى أتسخر بنا فإن ما قلته مستبعد وهذا أول أمرهم ولما علموا أن هذا جد وعزيمة انقادوا له وأما قول البعض لا يخفى أن هذا أي كونهم الهزء نفسه كذب منزه عنه القرآن فكذب صريح إذ حمل المصدر على الذوات عند إرادة المبالغة شائع مشهور بينهم حتى أن الشيخ عبد القاهر لم يرض بالتأويل كما مر الإشارة إليه آنفا ويلزم على زعم القائل كون الاستعارة بل المجاز كله كذب وهذا من العجائب التي تحيرت فيها العقول والفحول . القصة أنه كان رجل موسر قتله بنو عمه ليرثوه وقيل المعنى قتل ابن الشيخ بنو أخي الشيخ ليرثوا الشيخ إذا مات ويدفعه قصة لم يورث قاتل بعد ذلك وقوله وإنهم جاؤوا يطالبون بديته . قوله : مكان هزؤ الهزء مصدر فلا يصلح أن يقع مفعولا ثانيا أتتخذ لأنه على تأويل خبر المبتدأ فقدر مضاف وهو إما مكان أو أهل أو يجعل الهزء بمعنى المهزوء به تسمية للمفعول به بالمصدر كما في قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [ المائدة : 96 ] بمعنى مصيده جعل المعنى نفس الذات نحو رجل عدل للمبالغة . قوله : استبعادا لما قاله مفعول له أي قالوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً [ البقرة : 67 ] استبعادا أي لما قاله موسى عليه السّلام وهو قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ [ البقرة : 67 ] الآية .

--> ( 1 ) والاحتياج إلى التأويل ناشئ عن عدم مطابقة الذات والمعنى إذ لا يصح حمل المعنى على الذات وأما كونه خبرا عن الجماعة مع كونه مفردا فإن أبقى على حاله فلا حاجة إلى التأويل لكونه مصدرا وإن أريد به المفعول فيحتاج إلى التأويل كما أشار إليه بقوله ينافي فيه قوله مهزوءا بنا وإن قدر مضاف فالظاهر أن يقدر المضاف جمعا لكن قدر هنا مفردا وهو مكان في قوله مكان هزو لإرادة الجنس به . ( 2 ) واللازم إذا كان متعديا بحرف الجر جاز كبناء اسم المفعول منه مستندا إلى ذلك الجار مثل ممرور به .